العيني

128

عقد الجمان في تاريخ أهل الزمان

فاقتضى رأيه أن يجرد عسكرا صحبة بيدرا ، وكان بيدرا قد وقف على حقيقة هؤلاء القوم ، فكره الذهاب إليهم ، فلما خاطبه السلطان بذلك شرع في الاستعفاء ، فخرج السلطان من ذلك وصاح في وجهه وأخرجه من بين يديه وألزم نفسه أنه متى ما لم يسافر قبض عليه . فاضطر بيدرا عند ذلك إلى خروجه ، فخرج ومعه عسكر نحوا من عشرة أمراء وثلاثة آلاف فارس ، فساروا إلى أن وصلوا إلى جبال كسروان ورتبوا أمورهم ، فعلم بهم الجبلية فخرجوا إليهم في جمع عظيم ، وكانوا كفرة روافض ولهم شوكة كبيرة ، وجمعهم بمقدار عشرة آلاف نفر ، وكلهم يرمون على القسي القوية ، ومشيهم في تلك الجبال أسرع من مشى الخيل لأنهم تربوا فيها وألفوا بها ، فاستقبلوا عسكر السلطان بالرمي والقتال ، ثم رجعوا عن ذلك كالمنكسرين ، وكان ذلك حيلة منهم حتى استجروا العسكر إلى المواضع الصعبة ، ثم يفعلون فيهم ما يشاءون ، فلما حصلوا في تلك المواضع رجعوا عليهم ورموهم بالأحجار والقسي ونالوا منهم ، ثم إن عسكر السلطان قاتلوهم قتالا عظيما على أن يجدوا طريقا فيرجعون عنهم ، وكانوا قد ملكوا الطريق عليهم ، ورأى العسكر شدة عظيمة إلى أن رجعوا إلى مكان وطلعوا منه ، وقتل في ذلك اليوم تحت بيدرا ثلاث رؤوس من الخيل ، وكذلك سائر الأمراء ، فلما نزلوا إلى المخيم ، افتقدوا العسكر ، فوجدوا قد جرحت منهم جماعة وأسرت جماعة ، فتحيروا ولا يدرون ماذا يفعلون . وكانت الجبلية يعتقدون أن هذه العسكر هم عسكر الشام ، فلما سألوهم قالوا : إنه نائب السلطان الأمير بيدرا ، ولما علموا بذلك ندموا على فعلهم ،